ابن الأثير
591
الكامل في التاريخ
الناس منهما إلّا النّصح لنا ، والمحبّة لدولتنا ، وقد سار ذلك في أقطار البلاد ، فلا يجوز أن يظهر منّا هذه المكافأة الشنيعة ، ومع هذا فلا بدّ وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد عليه في منصبه ، متمكّن مثله ، أو ما يقاربه ، فيخاف أن نفعل به مثل فعلنا بهذا ، فيحذر من الدخول إلينا خوفا على نفسه ، وإن دخل علينا كان خائفا مستعدّا للامتناع ، وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة ، والرأي أن تراسل أبا عبد اللَّه بن البطائحيّ ، فإنّه الغالب على أمر الأفضل ، والمطّلع على سرّه ، وتعده أن تولّيه منصبه ، وتطلب منه أن يدبّر الأمر في قتله لمن يقاتله ، إذا ركب ، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه ، وأظهرنا الطلب بدمه ، والحزن عليه ، فنبلغ غرضنا ، ويزول عنّا قبح الأحدوثة . ففعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه . ولمّا قتل ولي بعده أبو عبد اللَّه بن البطائحيّ الأمر ، ولقّب المأمون ، وتحكّم في الدولة ، فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة [ وخمسمائة ] ، فصلب كما نذكره إن شاء اللَّه تعالى . ذكر عصيان سليمان بن إيلغازي على أبيه في هذه السنة عصى [ 1 ] سليمان بن إيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب ، وقد جاوز عمره عشرين سنة ، حمله على ذلك جماعة من عنده ، فسمع والده الخبر ، فسار مجدّا لوقته ، فلم يشعر به سليمان حتّى هجم عليه ، فخرج إليه معتذرا ، فأمسك عنه ، وقبض على من كان أشار عليه بذلك [ 2 ] ، منهم : أمير كان قد التقطه أرتق ، والد إيلغازي ، وربّاه ، اسمه ناصر ، فقلع عينيه ، وقطع لسانه ، ومنهم :
--> [ 1 ] عصا . [ 2 ] ذلك .